الاستغلال ونكران المعروف.. الوجه القبيح للمصالح الشخصية

يُعرَّف الاستغلال، علميًّا، بأنه استفادةُ شخصٍ أو جهةٍ من الآخرين بطريقةٍ غير عادلة ولا أخلاقية ولا إنسانية، بهدف تحقيق مصلحةٍ شخصية، مع تجاهل حقوق الطرف الآخر أو إلحاق الضرر به. وقد يتخذ الاستغلال صورًا متعددة؛ ماديةً، أو عاطفيةً، أو وظيفيةً، أو فكرية، وبحسب هذا المفهوم يعد الاستغلال جريمة أخلاقية.

فمَن هم هؤلاء المستغلّون؟ وكيف يمكن التعرّف إليهم للحذر من الوقوع في شِباكهم؟

المستغلّون، في الغالب، أشخاصٌ يعجزون عن تحقيق أهدافهم بجهودهم الذاتية، فيلجؤون إلى استغلال الآخرين، وسلب نجاحاتهم، ونسبتها لأنفسهم، مع إهدار حقوق أصحابها.

وفي الواقع، ومع الأسف، ليس من السهل اكتشاف هذه الشخصيات أو التعرّف إليها من خلال لقاءٍ عابر أو حتى عدة لقاءات؛ إذ لا تنكشف حقيقتهم إلا عبر الاحتكاك المباشر والتجربة العملية. فهم بارعون في المراوغة وارتداء الأقنعة الخادعة، ويُظهرون الودّ لتحقيق مصالحهم المؤقتة، فيوهمون الآخرين بالشراكة أو التقارب الفكري، بينما تُحرّكهم في الحقيقة مصالحهم الخاصة.

ومن أبرز سماتهم أنهم يسعون لتحقيق أهدافهم بأي وسيلة، دون اعتبارٍ للقيم أو المبادئ، وينظرون إلى الآخرين بوصفهم وسائل لا غايات. كما يتّسمون بضعف القيم الأخلاقية، كغياب العدل والإنصاف، وتغلب عليهم الأنانية، وحب السيطرة، والتلاعب، والكذب، واستغلال طيبة الآخرين أو حاجتهم. ويُضاف إلى ذلك تنصّلهم من المسؤولية، وضعف الوازع الديني، والطمع، والسعي وراء المكاسب السريعة.

وتتكرر، بين الحين والآخر، قصصٌ مؤلمة يرويها ضحايا الاستغلال، ممن وقعوا فريسةً لأشخاصٍ خلت ضمائرهم من الرحمة. والأشد إيلامًا أن بعض هؤلاء المستغلّين يتباهون بما حققوه من مكاسب، غير آبهين بما خلّفوه من جراحٍ نفسيةٍ وخسائر مادية لدى ضحاياهم، متجاهلين التحذيرات الواضحة في القرآن الكريم والسنة الشريفة من هذا السلوك المحرّم. قال الله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم [الأعراف: 85]، أي لا تُنقِصوا الناس حقوقهم أو ما يستحقونه.

كما ورد عن رسول الله ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله»، وهو تأكيدٌ صريح على وجوب العدل في التعامل مع الناس في مختلف شؤون الحياة، سواء في العلاقات الشخصية، أو الوظيفية، أو التجارية.

إن المنظومة الأخلاقية في الإسلام تقوم على حفظ الحقوق، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وترسيخ قيم العدل والتكافل. فالاستغلال سلوكٌ خطير يهدم القيم الإنسانية، ويؤثر سلبًا في الأفراد والمجتمعات، إذ يُفضي إلى التفكك، ويُولّد الكراهية والحقد، وقد يفتح أبواب الجريمة. ومن هنا، فإن مكافحته تتطلب نشر الوعي، وتعزيز القيم الأخلاقية، وتطبيق العدالة التي ينشدها الجميع؛ فالمجتمع الذي يسوده العدل تقلّ فيه مظاهر الاستغلال، وتزدهر فيه العلاقات الإنسانية.

ومن وجهة نظري، فإن الوقاية من الوقوع في شِراك المستغلّين تبدأ بتعزيز الوعي بالحقوق والواجبات في كل علاقة، لا سيما في الاتفاقيات التجارية والعقود الوظيفية. وغالبًا ما يكون ضحايا الاستغلال من الطيبين، أو المحتاجين، أو الكادحين الذين يسعون لكسب رزقهم بالحلال، فيضعون ثقتهم الكاملة في غير موضعها.

ومن هنا، تبرز أهمية حماية النفس من خلال الوعي القانوني، ومعرفة ما للإنسان وما عليه، وعدم التردد في قول“لا”عند وجود غموض أو إجحاف في أي بند من بنود الاتفاق. كما ينبغي مناقشة الشروط بشفافية، والوصول إلى اتفاقٍ عادل يرضي جميع الأطراف، مع ضرورة وضع حدودٍ واضحة في العلاقات، تمنع الاستغلال وتضبط التعامل.

وأخيرًا، تبقى هذه المقولة معبّرةً عن جوهر الموضوع: ”افعل ما تشاء، ولكن لا تخذل شخصًا منحك وقته وثقته.“

كاتب رأي، وموظف في القطاع المصرفي.