العشق الحسيني
ليس اسم الإمام الحسين ”
“ مجرد اسمٍ يُذكر على الألسن، بل هو اسمٌ يهزُّ وجدان الإنسان ويوقظ أعماقه كلّما مرَّ على سمعه أو جرى على لسانه. فلذكر الحسين ”
“ طبيعةٌ خاصةٌ في نفس المؤمنين، حتى ورد في الروايات الشريفة: * «إنَّ لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً» *. وهي حرارةٌ لا تنتمي إلى الحزن وحده، بل إلى الحب والولاء والارتباط العميق بقيم الحق والعدل والكرامة التي جسدها الإمام الحسين ”
“ في أعظم صورها.
ولذلك لم يكن الحسين ”
“ محبوباً عند أتباعه فحسب، بل أصبح رمزاً إنسانياً يستوقف كلَّ من عرف سيرته أو سمع بقضيته. فهذه الشخصية العظيمة لم تخرج طلباً لسلطةٍ أو مكسبٍ دنيوي، وإنما وقفت في مواجهة الظلم والاستبداد والانحراف، وبذلت أغلى ما تملك في سبيل إحياء الحق وصيانة كرامة الإنسان.
وقد عبّر أحد الشعراء عن هذه الحقيقة بقوله على لسان الإمام الحسين ”
“:
إن كان دينُ محمدٍ لم يستقم إلا بقتلي يا سيوفُ خذيني
ومن هنا قيل: الإسلامُ محمديُّ الوجود، حسينيُّ البقاء؛ فبنهضة الإمام الحسين ”
“ بقيت روح الإسلام حيّةً نابضةً في ضمير الأمة.
وإذا كنّا اليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً، لا نزال نستشعر هذا العشق الحسيني في قلوبنا، فما بالك بمن عاش مع الحسين ”
“، وسار معه، والتفَّ حوله، وآمن بنهضته المباركة؟ كيف كان موقع الحسين في قلوب أولئك الذين شهدوا كربلاء؟
لقد سطّر أنصار أبي عبد الله الحسين ”
“ أروع النماذج في تجسيد العشق الحسيني، حتى خلّدهم التاريخ مع إمامهم.
فذلك زهير بن القين يقف بين يدي الحسين ”
“ قائلاً: ”والله لو وددت أن أُقتل ثم أُحرق ثم أُذرى في الهواء، ثم يُفعل بي ذلك سبعين مرة، ما تركتك يا أبا عبد الله“.
إنها كلماتٌ لا يمكن تفسيرها إلا بعشقٍ تجاوز حدود الدنيا ومصالحها، ورأى في نصرة الإمام الحسين ”
“ طريقاً إلى رضوان الله وكرامته.
وهذا علي الأكبر ”
“، شبيه رسول الله
، يسأل أباه في طريق كربلاء: أو لسنا على الحق؟
فيجيبه الإمام الحسين ”
:“ بلى والله.
فيقول علي الأكبر بكل يقين: إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا.
أما القاسم بن الحسن ”
“، ذلك الفتى اليافع، فيسأله عمه الحسين ”
“: كيف ترى الموت عندك يا بني؟
فيجيب بكلماتٍ خلدها التاريخ: في سبيلك يا عم أحلى من العسل.
هذه المواقف التي تتردد على أسماعنا في كلِّ عام ليست مجرّد أحداثٍ تاريخيةٍ تُروى، بل هي صورٌ حيةٌ للعشق الحسيني في أسمى تجلياته؛ عشقٌ جعل أصحابه يرون التضحية في سبيل الحق شرفاً، ويرون الموت مع الحسين ”
“ حياةً خالدة.
وهنا يبرز السؤال المهم: *كيف نجسد العشق الحسيني في وقتنا المعاصر؟ *
إن العشق الحسيني لا يقتصر على الدموع والمشاعر، على عظمتها وأهميتها، فقد بكى الإمام الحسين ”
“ رسول الله
قبل شهادته بأكثر من نصف قرنٍ، وبكته الملائكة المقرّبون، والأنبياء والمرسلون، والأئمة الطاهرون، بل إن مأساة كربلاء هزّت مشاعر كثيرٍ ممن شهدوا أحداثها. ومن هنا كان البكاء على الإمام الحسين ”
“ رسالةً خالدةً عبر الأجيال، لا يزيدها مرور السنين والأعوام إلا حضورًا وتأججًا في الوجدان.
غير أن العشق الحسيني لا يقف عند حدود الدموع، بل يمتد ليتجسد في الاقتداء بالحسين ”
“ في مواقفه وقيمه. فالعاشق للحسين هو من يقف مع الحق وإن كان مكلفاً، ويرفض الظلم وإن كان السكوت عنه مغرياً، ويتمسك بالمبادئ وإن خالفه الناس.
والعاشق للحسين هو من يتحلّى بالأمانة والصدق والوفاء، ويجعل من أخلاق الحسين منهجاً في حياته، ومن تضحيته درساً في البذل والعطاء، ومن وعيه وبصيرته نوراً يهديه في مواقف الحياة المختلفة.
فالحسين ”
“ لم يكن مشروع دمعةٍ فقط، بل كان مشروع وعيٍ وإصلاحٍ ونهضة. وكلما ازداد الإنسان قرباً من هذه القيم، ازداد قرباً من الحسين ”
“، وتجسّد العشق الحسيني في سلوكه ومواقفه وعلاقاته.
إن العشق الحسيني الحقيقي ليس أن نسأل: كم نبكي على الحسين؟ بل أن نسأل: كم تغيّرنا بالحسين؟
إن كربلاء لم تكن حدثاً انتهى في سنة إحدى وستين للهجرة، بل مدرسةً متجددةً في صناعة الإنسان الحر، وستبقى شُعلة الحسين ”
“ متقدةً في القلوب، تُلهم الأجيال معنى الكرامة والثبات والتضحية.
فطوبى لمن أحب الحسين ”
“، وأعظم من ذلك طوبى لمن جعل من حبه للحسين ”
“ طريقاً للسير على نهجه، والاقتداء بقيمه، والعمل برسالته.










