ولائيات الوالدة في أهل البيت (ع)
هناك إيمانٌ لفظيّ، لا يتجاوز حدود اللسان، فلا يُحرّك في صاحبه ساكنًا، ولا يغيّر فيه فكرًا ولا سلوكًا، وإنّما يرفع شعاراتٍ قد تكون جميلة في ظاهرها، لكنها فارغة من محتواها عند الاختبار.
وهناك إيمانٌ آخر، هو الإيمان القلبي واللفظي والعملي؛ ذلك الإيمان الصادق الذي يسكن القلب، وينطق به اللسان، وتترجمه الجوارح والأفعال. إيمانٌ يدفع صاحبه إلى العمل بما يعتقد، كلٌّ بحسب ما آتاه الله من قدرة: بالكلمة، أو المال، أو الجهد، أو الخدمة، أو الموقف، بل حتى بالقلب والدمعة والدعاء، بحسب الاستطاعة والظرف وتشخيص الموقف.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين الإيمانين؛ فهناك شخصيةٌ إيمانها سلبي، لا يتجاوز الشعارات، فيصبح عبئًا على صاحبه قبل أن يكون عبئًا على مجتمعه، وشخصيةٌ أخرى إيمانها حيٌّ وإيجابي، تأتي بثمارها كل حين، وتكون قادرة على صناعة الأثر والتغيير والإصلاح، على المستوى الشخصي والاجتماعي.
ولعلّ أجمل ما رأيتُه من الإيمان العملي، ذلك الإيمان الذي عشته مع والدتي، رحمها الله وأعلى مقامها، فقد كانت ولائيتها لأهل البيت
ليست مجرد كلمات تُقال، ولا مشاعر تُحكى، وإنما كانت منهج حياة، وسلوكًا راسخًا، ومواقف بقيت محفورة في ذاكرتي، وستظل شاهدةً على عمق ارتباطها بمحمد وآل محمد
.
رحلة إلى العراق.. ووصايا أمٍّ ولائية
في عام 1995م، راودتني فكرة السفر إلى العراق لزيارة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب
، ومن ثم التوجه لزيارة أبنائه الأئمة المعصومين
، بدءًا من سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين
، وأخيه أبي الفضل العباس
، ثم بقية الأئمة
، بحسب مواقع أضرحتهم الشريفة.
وكان العراق آنذاك يعيش ظروفًا أمنية واقتصادية بالغة الصعوبة، فقد كان محاصرًا، ومغلقًا أمام العالم، وتحت وطأة نظام استبدادي قاسٍ، وقد أُنهكت البلاد، وتبدلت أحوالها، بعد أن كانت أرض الحضارات والعلم والثقافة والعمران، حتى غدت مشاهد الخراب والخوف حاضرة في كثير من أرجائها.
وفي ذلك الظرف الصعب، فكرت في إخبار والدتي، أعلى الله مقامها، برغبتي في السفر.
وأتذكر أنني أخبرتها في الصباح، وقد كنت مترددًا جدًا في فتح الموضوع؛ لأنني لم أكن أتحرك خطوة واحدة في حياتي إلا بإذنها، وكنت أتوقع، بل أكاد أجزم، أنها سترفض الفكرة خوفًا عليّ.
وكانت والدتي قد زارت العراق قبل ذلك بمدة قصيرة، وعاشت بنفسها جانبًا من تلك الظروف الصعبة، ورأت كيف كان الأمن غير مستقر، والمخاطر تحيط بالمسافر من كل جانب. وفوق ذلك كله، كنت في مقتبل العمر، أعزب لم أتزوج بعد، وما زلت كما يُقال: لم أدخل دنيا الزواج ومسؤولياتها، وكان من الطبيعي أن تخشى أمٌّ على ابنها من رحلة قد تحمل في طياتها مخاطر لا يعلم مداها إلا الله.
ومع ذلك، جمعت شجاعتي، وكان ما يدفعني إلى الحديث معها هو معرفتي بولائيتها الصادقة والقوية لأهل البيت
.
اقتربت منها وقلت:
أمي، صباحك الله بالخير والبركة.
وقبّلت رأسها ويدها، ومازحتها ولطفت بها كعادتي معها، ثم فتحت الموضوع بطريقة التمني، وقلت:
أمي، أرغب في هذه الفترة في زيارة أمير المؤمنين
وأبنائه المعصومين
، فما رأيك؟
كانت جالسة على أريكتها، منشغلة بشيء لا أتذكره، ولعلها كانت ترتب بعض ثيابها، فما إن سمعت كلامي حتى تركت ما في يدها، وبدت عليها علامات الفرح والاستبشار، وقالت بكل هدوء وثقة:
يا ولدي، توكل على الله، والله حافظك بإذن الله تعالى. هذه فرصة قد لا تحصل لك مرة أخرى.
لم أصدق ما سمعت، ولم أستوعب ما رأيت من والدتي!
كنت أتوقع الرفض والخوف والتحذير، فإذا بها تستقبل رغبتي بالفرح وكأنني أخبرتها بأجمل خبر.
ثم أخذت تردد:
الحمد لله... الحمد لله... لقد وفقك الله لأن تقوم بزيارة الأئمة الأطهار
.
وبدأت تسألني:
متى الرحيل إن شاء الله؟ ومن رفقاؤك في السفر؟
ثم بدأت توصيّني بوصايا لم أكن أتوقعها إطلاقًا، وكانت وصاياها وكأنها درس كامل في معنى الزيارة، وحقيقة الولاء، وكيف ينبغي للإنسان أن يكون حين تطأ قدماه أرض الأئمة الأطهار
.
قالت لي، بمعنى وصاياها:
إذا أردت أن تكون زيارتك صحيحة ومليئة بالثواب، فلا تشغل نفسك هناك بشيء غير الزيارة وأعمالها، واستشعر دائمًا أن هذه فرصة قد لا تتكرر لك، فاغتنمها بكل أبعادها العبادية والروحية.
وخدمة الزوار، لا تنتظر أن يطلب منك أحد الخدمة، بل بادر أنت إليها، من أول الطريق حتى عودتك سالمًا إلى البلاد. فابحث عن حاجة الزائر واقضها، ولا تفوّت على نفسك هذا الثواب.
وتحمّل مشاق الطريق وصعوبات الرحلة، وقل دائمًا: هذه من أجل الحسين
.
وأكثر من الحمد والشكر والاستغفار لله تعالى. فإذا وصلت إلى أول مقام من مقامات الأئمة الأطهار
، فاسجد لله تعالى عند عتبة صاحب المقام، واحمده واشكره على أن وفقك للوصول، واسأله أن يرزقك العودة مرة أخرى.
وابدأ أعمال الزيارة بما تيسّر لك، وعلى الهيئة التي وصلت بها إليهم، ثم توسل بهم إلى الله تعالى لقضاء حوائجك.
وأنفق مما تستطيع من المال، ولا تجعل المال عائقًا أمام الخير. وأكرم زوار الأئمة
، وبالأخص زوار أبي عبدالله الحسين
، بالطعام والشراب، وأحيِ مجالسهم بذكرهم والعزاء عليهم.
وإذا وفقت لخدمة الزوار، فكن أنت السبّاق، ولا تجعل أحدًا يسبقك إلى الخير.
وكن أكثر أخلاقًا وأدبًا وصبرًا في زيارتك، ولا تتعصب على أحد مهما كان تصرفه، واترك كل ما تشعر به من تعب وصعوبات وتحديات خلفك، وتوجّه بقلبك نحو الحسين
.
واحفظ صلاتك في أوقاتها، وصلِّ في حرم الأئمة
، ولا تتعجل الخروج من الحرم، بل أطِل المكوث فيه، وادعُ الله بحقهم بما تريد، فهذه فرصة قد لا تتكرر، والله العالم.
ولا تضحك ولا تمازح أحدًا في مقاماتهم، وكن دائمًا في خضوع وخشوع، وأكثر من الصدقة، واجعل لك صدقة عند كل مقام تزوره.
ولعلني نسيت بعض وصاياها، لكنني لم أنسَ روحها، ولا أنسى تلك الكلمات التي كانت تنبع من قلب مؤمن، ومن يقين صادق، ومن ارتباط عميق بأهل البيت
.
كانت والدتي، رحمها الله، تعطيني درسًا عمليًا في الولاء دون أن تستخدم كلمة «الولاء» كثيرًا؛ فقد كانت تمارسه.
فهي لم تكن تقول فقط: نحن نوالي أهل البيت
، بل كانت تخدم، وتبكي، وتواسي، وتنفق، وتتحمل، وتوصي، وتحب، وتربّي أبناءها على هذا الحب.
«كلنا لا نسوى شيئًا أمام الحسين
»
وأتذكر أنني سألت والدتي سؤالًا كنت أريد من خلاله أن أختبر مشاعرها، وقلت لها:
أمي، ألم يخطر ببالك أنني قد أتعرض لخطر هناك؟ وماذا لو حدث لي مكروه في بلد مغلق عن العالم، والمخاطر تحيط به من كل جانب؟
فجاءت إجابتها بصوت منخفض، لكنه كان يحمل يقينًا عجيبًا:
يا ولدي، كلنا لا نسوى شيئًا أمام الحسين
وأولاده وأهل بيته وأصحابه، وأمام أم البنين وأولادها
. وكيف تريد أن تواسي مولاتنا فاطمة الزهراء
وابنتها العقيلة زينب
؟
وهنا كان البكاء يرافقها وهي تستحضر صورة المواساة لسيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه
.
كانت والدتي تبكي لمجرد ذكر أسماء أهل البيت
.
ولا أنسى تلك الصرخات الحسينية التي كانت تخرج من أعماق قلبها، وهي تتوسل بالحسين
، وبأبي الفضل العباس
، وبأم المصائب زينب
، وبأم البنين
.
كانت الدموع تهطل بغزارة على خديها الكريمين، وكان صوتها يتغير إلى صوت حسيني حزين، وكأنها تستحضر في تلك اللحظات مصائب كربلاء، وما جرى على الحسين وعترته الطاهرة وأصحابه
، من مصائب لو نزلت على الجبال لهدّتها.
نعم، كانت أمي ولائية حتى النخاع؛ ولاءً يسكن القلب، وينطق به اللسان، وتصدقه الجوارح، ويظهر في الموقف والعمل والسلوك.
رحلت أمي، لكن ولائياتها لم ترحل.
رحلت صاحبة القلب الذي كان يهتز عند ذكر الحسين
، وبقيت وصاياها في قلبي، تذكّرني بأن حب أهل البيت
ليس مجرد دمعة، ولا شعارًا، ولا كلمات نتغنى بها، وإنما هو محبةٌ تثمر طاعة، وولاءٌ يصنع موقفًا، ومواساةٌ تتحول إلى عمل، وأخلاقٌ تُترجم ما في القلب.
لقد علمتني أمي، من حيث لا تشعر، أن من أحب الحسين
حقًا، فليبحث عن نصيبٍ من أخلاق الحسين، وصبر الحسين، وكرم الحسين، ومواساة الحسين، وخدمة عباد الله.
سلامٌ على قلبك يا أمي، يوم أحببتِ محمدًا وآل محمد، ويوم عشتِ على ولايتهم، ويوم رحلتِ وأنت تحملين حبهم في قلبك.
وأسأل الله تعالى أن يحشرك مع محمد وآل محمد
، وأن يجعل دموعك على الحسين
شفيعةً لك، وخدمتك للمؤمنين ذخيرةً في آخرتك، وأن يجمعنا وإياكِ في رحابهم، حيث لا فراق ولا ألم ولا رحيل.
رحمك الله يا أمي رحمةً واسعة، وحشرك مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، وجعلنا من المتمسكين بولايتهم، والسائرين على نهجهم، والمواسين لهم بقلوبنا وأعمالنا.
والسلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى أبي الفضل العباس، وعلى أم البنين، وعلى العقيلة زينب، وعلى الأرواح التي حلّت بفناء الحسين
.
الفاتحة المباركة لروح أمي وأرواح المؤمنين والمؤمنات، رحم الله من قرأ الفاتحة وأهدى ثوابها إلى أرواحهم.












